السهم
18-09-2008, 03:56 PM
الأغبياء
كان رأيي دائماً أن الملحد هو غبي بالضرورة، وكأن لسان حاله يقول: أنا ملحد إذن أنا غبي ! ذلك لأنه لا يملك القدرة على إدراك عظمة الخلق ودقته وضبطه وإعجازه.. أو أنه ـ في أقل تقدير ـ لا يريد أن يُعْمل عقله في الوجود الكوني من حوله، والذي ينطق صباح مساء بوجود الخالق سبحانه، وتوحدّه جل في علاه..
قليل من إعمال العقل يقوده بالضرورة إلى المطلوب، والمطلوب هو الإيمان بالله الواحد سبحانه من خلال معاينة إبداعه في الكون، والعالم، والطبيعة، والحياة، والإنسان.
ولطالما دعانا القرآن الكريم في مساحات واسعة من آياته وسوره إلى الدخول من هذه البوابة الكبرى للتحقق باليقين والإيمان. إذ ما من منظومة في الطبيعة والعالم.. ما من ظاهرة، أو حالة، أو تركيب في بنية السماوات والأرض، إلا وهي تنطوي على قدر مُدهش من الانضباط، والتوافق، والتصاعد المرسوم صوب هدف محدد، أو غاية مقصودة: الجبال، والبحار، والأنهار.. الرياح، والسحب، والأمطار.. السدم، والنجوم والكواكب، والمجرات.. كلها.. كلها تشهد بحقيقة الوجود الإلهي وتفرّده بالوحدانية المطلقة..
من أجل ذلك يدين القرآن الكريم الكفرة والملاحدة بأنهم ..كّالأّنًعّامٌ بّلً هٍمً أضّلٍَ (الأعراف: 179)، ويصف عقولهم وقلوبهم كما لو أنها غُطيت بطبقة من الريْن الذي يحجب عنها القدرة على الإبصار.. بل يطمس على ذكائها ويقودها إلى عالم الأنعام: كّلاَّ بّلً رّانّ عّلّى قٍلٍوبٌهٌم مَّا كّانٍوا يّكًسٌبٍونّ >14< (المطففين).
العلماء الكبار من ذوي العقول المتألقة، قادتهم مشاهداتهم للحالات الكونية والحياتية إلى الإقرار بوجود الله ووحدانيته سبحانه. ويكفي أن تقرأ كتاب (الله يتجلى في عصر العلم) الذي حرره الباحث الأمريكي «مونسما» والذي يتضمن شهادات أكثر من ثلاثين عالماً كبيراً في تخصصات علمية شتى.. وكلهم انتهى بعد عشرين سنة أو ثلاثين من البحث والتنقيب في الظواهر الطبيعية، والكونية، والإنسانية، إلى شهادة أن لا إله إلا الله.
وللأسف يوجد من بين المؤمنين أنفسهم من هم كالأنعام.. بل هم أضل..
الإيمان بمنطوقه العام، وليس بمقتضياته الإسلامية، أي الإقرار بوجود الله سبحانه دون أن يتعدى ذلك إلى المطالب العملية لهذا الإيمان، وأولها ولا ريب العبادة، ورأس سنامها الصلاة التي فُرضت على كل مؤمن في العالم كتاباً موقوتاً، والتي اعتمدت معياراً للتفريق بين المؤمن والكافر.
أعرف الكثيرين ممن التقيتهم في حياتي، في هذا المنعطف أو ذاك، يملكون الاستعداد لممارسة أي جهد، وتنفيذ أي عمل، إلاّ أن يقتطعوا من وقتهم دقائق معدودات لأداء الصلاة، رغم أنهم مؤمنون، وأن عقيدتهم بالله سبحانه لا تشوبها شائبة.. ولكنه الكسل وليس الإنكار.
ومن هذه الزاوية بالذات كنت أحاورهم، وكنت أقول لهم: إنكم من أجل ضمان الحصول على مرتبكم التافه في نهاية كل شهر، تنهضون فجر كل يوم على مدى عملكم الوظيفي الذي قد يمتد لثلاثين أو أربعين عاماً، لكي تكونوا في دوائركم في الوقت المحدد، وتقضون هناك الساعات الطوال تمارسون فيها جهداً شاقاً، وتلاحقون مطالب المراجعين، وتنفذون الأوامر الإدارية التي تنهمر عليكم كالسيل، لا يستطيع أحدكم أن يعتذر أو يتخلف عن العمل والدوام ولا أن يقدم أو يؤخر في مواعيد الحضور والانصراف إلا في حالات العذر القاهر. فماذا لو اقتطعتم من وقتكم وجهدكم دقائق معدودات لأداء الصلاة؟ وتنفيذ الأمر الإلهي الملزم؟
فلا أكاد أتلقى منهم جواباً مقنعاً على الإطلاق.. بل إن بعضهم يبلغ به قصور الرؤية حدّ أن يقول: المهم هو الإخلاص في العمل وليس شكليات الصلاة !.
أعرف موظفاً (نموذجياً!) قضى في عمله الوظيفي أكثر من ثلاثين عاماً دون أن يسمح لنفسه بالتمتع بإجازة ليوم واحد على امتداد هذه السنوات الثلاثين.. وكان يفخر بذلك، ويعتبر «حالته» نموذجاً يتحتم أن يقتدي به كل موظف جاد.. ثم إذا به يوماً، ربما بسبب خطأ تافه بسيط، يتلقى عقوبة إدارية من مديره العام، وما لبث أن أعقبها، بسبب رد فعل الموظف الجاد إزاء مديره، أن صدر الأمر بنقله إلى دائرة أخرى بدرجة أقل.
وقد زرته يوماً في عمله الجديد فوجدته غارقاً بين أكداس الأضابير، وطوابير المراجعين، فيما هو ليس من مهمته ولا درجته الوظيفية المتقدمة..
لعل مديره العام أراد أن يضاعف له العقوبة فدفعه إلى هذا المكان.
كان نزقاً، وقد بلغ به الغضب والجهد منه مبلغهما، وقال لي وهو يدفع أكداس الأضابير من أمامه لكي تتاح له رؤيتي: لقد قررت أن أحيل نفسي على التقاعد رغم أن مرتبي سينخفض بذلك إلى حدّ كبير.. ولكن للصبر حدود.
هممت أن أقول له بأنه يستحق هذا كله، لأن إخلاصه كان مجتزءاً، ولأنه كان ينظر إلى الأمور بعين واحدة، وأنه كان سيضمن الأجر الجزيل والمضاعف فقط لو أنه قدّم لله سبحانه من جهده ووقته عشر.. عشر.. عشر.. هذا الذي قدّمه لدائرته، ولمديره العام الذي لم يكن وفياً معه على الإطلاق.
وهممت أن أقول له: إن الصلاة التي يريدها الله سبحانه ليست أمراً شكلياً، ولكنها ممارسة تدفع إلى مزيد من الإحسان والإتقان والإخلاص في العمل.. وجهان لحالة واحدة لا يمكن فك الارتباط بينهما على الإطلاق.. ومن لم تنهه صلاته وصيامه عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً.. كما حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولكنني آثرت الصمت لأنني أعرف مسبقاً ألاّ جدوى من الحديث مع هذا النمط من الناس، في موضوع كهذا، على الإطلاق..>
كان رأيي دائماً أن الملحد هو غبي بالضرورة، وكأن لسان حاله يقول: أنا ملحد إذن أنا غبي ! ذلك لأنه لا يملك القدرة على إدراك عظمة الخلق ودقته وضبطه وإعجازه.. أو أنه ـ في أقل تقدير ـ لا يريد أن يُعْمل عقله في الوجود الكوني من حوله، والذي ينطق صباح مساء بوجود الخالق سبحانه، وتوحدّه جل في علاه..
قليل من إعمال العقل يقوده بالضرورة إلى المطلوب، والمطلوب هو الإيمان بالله الواحد سبحانه من خلال معاينة إبداعه في الكون، والعالم، والطبيعة، والحياة، والإنسان.
ولطالما دعانا القرآن الكريم في مساحات واسعة من آياته وسوره إلى الدخول من هذه البوابة الكبرى للتحقق باليقين والإيمان. إذ ما من منظومة في الطبيعة والعالم.. ما من ظاهرة، أو حالة، أو تركيب في بنية السماوات والأرض، إلا وهي تنطوي على قدر مُدهش من الانضباط، والتوافق، والتصاعد المرسوم صوب هدف محدد، أو غاية مقصودة: الجبال، والبحار، والأنهار.. الرياح، والسحب، والأمطار.. السدم، والنجوم والكواكب، والمجرات.. كلها.. كلها تشهد بحقيقة الوجود الإلهي وتفرّده بالوحدانية المطلقة..
من أجل ذلك يدين القرآن الكريم الكفرة والملاحدة بأنهم ..كّالأّنًعّامٌ بّلً هٍمً أضّلٍَ (الأعراف: 179)، ويصف عقولهم وقلوبهم كما لو أنها غُطيت بطبقة من الريْن الذي يحجب عنها القدرة على الإبصار.. بل يطمس على ذكائها ويقودها إلى عالم الأنعام: كّلاَّ بّلً رّانّ عّلّى قٍلٍوبٌهٌم مَّا كّانٍوا يّكًسٌبٍونّ >14< (المطففين).
العلماء الكبار من ذوي العقول المتألقة، قادتهم مشاهداتهم للحالات الكونية والحياتية إلى الإقرار بوجود الله ووحدانيته سبحانه. ويكفي أن تقرأ كتاب (الله يتجلى في عصر العلم) الذي حرره الباحث الأمريكي «مونسما» والذي يتضمن شهادات أكثر من ثلاثين عالماً كبيراً في تخصصات علمية شتى.. وكلهم انتهى بعد عشرين سنة أو ثلاثين من البحث والتنقيب في الظواهر الطبيعية، والكونية، والإنسانية، إلى شهادة أن لا إله إلا الله.
وللأسف يوجد من بين المؤمنين أنفسهم من هم كالأنعام.. بل هم أضل..
الإيمان بمنطوقه العام، وليس بمقتضياته الإسلامية، أي الإقرار بوجود الله سبحانه دون أن يتعدى ذلك إلى المطالب العملية لهذا الإيمان، وأولها ولا ريب العبادة، ورأس سنامها الصلاة التي فُرضت على كل مؤمن في العالم كتاباً موقوتاً، والتي اعتمدت معياراً للتفريق بين المؤمن والكافر.
أعرف الكثيرين ممن التقيتهم في حياتي، في هذا المنعطف أو ذاك، يملكون الاستعداد لممارسة أي جهد، وتنفيذ أي عمل، إلاّ أن يقتطعوا من وقتهم دقائق معدودات لأداء الصلاة، رغم أنهم مؤمنون، وأن عقيدتهم بالله سبحانه لا تشوبها شائبة.. ولكنه الكسل وليس الإنكار.
ومن هذه الزاوية بالذات كنت أحاورهم، وكنت أقول لهم: إنكم من أجل ضمان الحصول على مرتبكم التافه في نهاية كل شهر، تنهضون فجر كل يوم على مدى عملكم الوظيفي الذي قد يمتد لثلاثين أو أربعين عاماً، لكي تكونوا في دوائركم في الوقت المحدد، وتقضون هناك الساعات الطوال تمارسون فيها جهداً شاقاً، وتلاحقون مطالب المراجعين، وتنفذون الأوامر الإدارية التي تنهمر عليكم كالسيل، لا يستطيع أحدكم أن يعتذر أو يتخلف عن العمل والدوام ولا أن يقدم أو يؤخر في مواعيد الحضور والانصراف إلا في حالات العذر القاهر. فماذا لو اقتطعتم من وقتكم وجهدكم دقائق معدودات لأداء الصلاة؟ وتنفيذ الأمر الإلهي الملزم؟
فلا أكاد أتلقى منهم جواباً مقنعاً على الإطلاق.. بل إن بعضهم يبلغ به قصور الرؤية حدّ أن يقول: المهم هو الإخلاص في العمل وليس شكليات الصلاة !.
أعرف موظفاً (نموذجياً!) قضى في عمله الوظيفي أكثر من ثلاثين عاماً دون أن يسمح لنفسه بالتمتع بإجازة ليوم واحد على امتداد هذه السنوات الثلاثين.. وكان يفخر بذلك، ويعتبر «حالته» نموذجاً يتحتم أن يقتدي به كل موظف جاد.. ثم إذا به يوماً، ربما بسبب خطأ تافه بسيط، يتلقى عقوبة إدارية من مديره العام، وما لبث أن أعقبها، بسبب رد فعل الموظف الجاد إزاء مديره، أن صدر الأمر بنقله إلى دائرة أخرى بدرجة أقل.
وقد زرته يوماً في عمله الجديد فوجدته غارقاً بين أكداس الأضابير، وطوابير المراجعين، فيما هو ليس من مهمته ولا درجته الوظيفية المتقدمة..
لعل مديره العام أراد أن يضاعف له العقوبة فدفعه إلى هذا المكان.
كان نزقاً، وقد بلغ به الغضب والجهد منه مبلغهما، وقال لي وهو يدفع أكداس الأضابير من أمامه لكي تتاح له رؤيتي: لقد قررت أن أحيل نفسي على التقاعد رغم أن مرتبي سينخفض بذلك إلى حدّ كبير.. ولكن للصبر حدود.
هممت أن أقول له بأنه يستحق هذا كله، لأن إخلاصه كان مجتزءاً، ولأنه كان ينظر إلى الأمور بعين واحدة، وأنه كان سيضمن الأجر الجزيل والمضاعف فقط لو أنه قدّم لله سبحانه من جهده ووقته عشر.. عشر.. عشر.. هذا الذي قدّمه لدائرته، ولمديره العام الذي لم يكن وفياً معه على الإطلاق.
وهممت أن أقول له: إن الصلاة التي يريدها الله سبحانه ليست أمراً شكلياً، ولكنها ممارسة تدفع إلى مزيد من الإحسان والإتقان والإخلاص في العمل.. وجهان لحالة واحدة لا يمكن فك الارتباط بينهما على الإطلاق.. ومن لم تنهه صلاته وصيامه عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً.. كما حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولكنني آثرت الصمت لأنني أعرف مسبقاً ألاّ جدوى من الحديث مع هذا النمط من الناس، في موضوع كهذا، على الإطلاق..>