ابن البلد
02-02-2006, 05:53 PM
خبر جُـرهم وزمزم بعد إسماعيل عليه السلام
كانت جرهم تشرب من ماء زمزم ومكثت بذلك ما شاء الله أن تمكث فلما استخفت جرهم بالحرم وتهاونت بالبيت وأكلوا مال الكعبة الذي يهدي إليها سرا ً وعلانية وارتكبوا مع ذلك امور عظاما ً نضب ماء زمزم وانقطع ، فلم يزل موضعه يدرس ويتقادم وتمر عليه السيول عصرا بعد عصر حتي غبي أي خفي مكانه 0
وقد ذكر الأرزقي خبر جرهم واعمالهم التي كانت سببا ً لحرمانهم البيت العتيق والحرم وما فيه ، وكيف قتلوا وخرج من بقي منهم بذل ً وصغار 0
فقد روي من طريق عثمان بن ساج عن الكلبي عن إبي صالح قال : لما طالت ولاية جرهم استحلوا من الحرم أموراً عظاما ً ونالوا ما لم يكونوا ينالون ، واستخفوا بحرمة الحرم وأكلوا مال الكعبة الذي يهدي إليها سرا ً وعلانية وظلموا من دخل إليها من غير أهلها ، فرَق أمرهم فيها وضعفوا وتنازعوا بينهم وأختلفوا وكانوا قبل ذلك من اعز حي في العرب وأكثرهم رجالا ً وأموالا ً وأعز عزة 0
خطبة مضاض بن عمرو في جُرهم وفيها تحذيرهم من البغي والظلم وأثره الوخيم
فلما رأي ذلك رجل منهم يقال له مضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو وقام فيهم خطيبا ، فوعظهم وقال : يا قوم أبقوا علي أنفسكم وراقبوا الله في حرمه وأمنه فقد رأيتم وسمعتم من هلك من صدور هذة الأمم قبلكم ( قوم هود ، وقوم صالح ، وشعيب ) فلا تفعلوا وتواصلوا بالمعروف وانتهوا عن المنكر ، ولا تستخفوا بحرم الله تعالي وبيته الحرام ولا يغرنكم ما أنتم فيه من الأمن والقوة فيه ، وإياكم والإلحاد فيه بالظلم فإنه بوار عظيم 0
وأيم الله لقد علمتم أنه ما سكنه أحد قط فيه وألحد إلا قطع الله عز وجل دابرهم ، وأستأصل شأفتهم ، وبذل أرضها غيرهم ، فاحذزوا البغي فإنه لا بقاء لأهله ، قد رأيتم وسمعتم من سكنه قبلكم ، من : طمس وجديس والعماليق ، ممن كانوا أطول منكم أعمارا ً وأشد قوة وأكثر رجالا ً وأموالا وأولادا فلما استخفوا بحرم الله وألحدوا فيه بالظلم أخرجهم الله منها بالأنواع الشتي ، فمنهم من أخرج بالذر ، ومنهم من أخرج بالجدب ، ومنهم من أخرج بالسيف 0
وقد سكنتم مساكنهم ، وورثتم الارض من بعدهم ، فوفروا حرم الله - أي راعوا حرماته ، وعظموا بيته الحرام ، وتنزهوا عنه وعما فيه ، ولا تظلموا من دخله وجاء معظما ً لحرماته ، وآخر جاء بائعا ً لسلعته أو مرتغبا ً في جواركم فإنكم إن فعلتم ذلك تخوفت أن تخرجوا من حرم الله خروج ذل وصغار ، حتي لايقدر أحد منكم أن يصل إلي الحرم ولا إلي زيارة البيت الذي هو لكم حرز وأمن والطير والوحوش تأمن فيه 0
فقال له قائل مكنهم يرد عليه يقال له مجذع : من الذي يخرجنا منه ؟ ألسنا أعز العرب ، واكثرهم رجالا وسلاحا ً ؟
فقال له مضاض بن عمرو : إذا جاء الأمر بطل ما تقولون 0
فلم يقصروا عن شيء مما كانوا يصنعون فلما رأي مضاض بن الحارث بن مضاض ما تعمل جرهم في الحرم وما تسرق من مال الكعبة سرا ً وعلانية ، عمد إلي غزالين كانا في الكعبة من ذهب وأسياف قلعيه { كان ساسان ملك الفرس قد أهداها إلي الكعبة } فدفنها في موضع بئر زمزم ، وكان ماء زمزم قد نضب وذهب لما أحدثت جرهم في الحرم ما أحدثت ، حتي غبي مكان البئر ودرس فقام مضاض بن عمرو وبعض ولده في ليلة مظلمة فحفر في موضع بئر زمزم وأعمق ثم دفن فيه الأسياف والغزالين 0
وقيل إن جرهما دفنتها - أي زمزم - حين نُفيت من مكة ( ثم سلط عليهم خزاعة فأخرجتهم من الحرم فلم ينفلت منهم إلا الشريد ، وفنيت جرهم أفناهم السيف في حربهم مع خزاعة ووليت خزاعة الكعبة والحكم بمكة ما شاء الله ان تليه 0
وموضع زمزم في ذلك لا يعرف لتقادم الزمن حتي بوأه الله تعالي لعبد المطلب بن هاشم - جد الرسول عليه الصلاة والسلام - لما اراد الله من ذلك فخصه به من بين قريش 0
فلم تزل زمزم دارسة عافيا أثرها حتي آن مولد الرسول المبارك عليه الصلاة والسلام الذي تتفجر من بنانه ينابيع الماء ، وصاحب الكوثر والحوض الرواء ، فلما آن ظهوره أذن الله تعالي لسقيا أبيه أن تظهر ، ولما اندفن من مائها أن تجتهر أي تظهر ، فرفعت عنها الحجب برؤيا منام رآها عبد المطلب ، فأمر بحفرها وأعلمت له بعلامات استبان بها موضع زمزم فحفرها 0
زمن حفر عبد المطلب لزمزم
إن كلام الإمام السهيلي السابق يدل أن حفر عبد المطلب لزمزم كان قبيل ولادة الرسول عليه الصلاة والسلام أي قبل عام الفيل 0
وكذلك قال الإمام تقي الدين الفاسي ، فقد جاء في شفاء الغرام 0
وكان حفره لها قبل مولد الرسول عليه الصلاة والسلام لآنا روينا من حديث على بن ابي طالب رضي الله عنه حين حفر زمزم لم يكن له ولد سوي ابنه الحارث 0
فلم يكن والد النبي عليه الصلاة والسلام وأعمامه سوي الحارث قد ولدوا وكانت ولادته عليه الصلاة والسلام عام الفيل وعلي هذا فما ذكره الأرزقي عن الزهري أن حفر عبد المطلب لزمزم بعد عام الفيل فهي رواية غير صحيحة والله أعلم 0
كانت جرهم تشرب من ماء زمزم ومكثت بذلك ما شاء الله أن تمكث فلما استخفت جرهم بالحرم وتهاونت بالبيت وأكلوا مال الكعبة الذي يهدي إليها سرا ً وعلانية وارتكبوا مع ذلك امور عظاما ً نضب ماء زمزم وانقطع ، فلم يزل موضعه يدرس ويتقادم وتمر عليه السيول عصرا بعد عصر حتي غبي أي خفي مكانه 0
وقد ذكر الأرزقي خبر جرهم واعمالهم التي كانت سببا ً لحرمانهم البيت العتيق والحرم وما فيه ، وكيف قتلوا وخرج من بقي منهم بذل ً وصغار 0
فقد روي من طريق عثمان بن ساج عن الكلبي عن إبي صالح قال : لما طالت ولاية جرهم استحلوا من الحرم أموراً عظاما ً ونالوا ما لم يكونوا ينالون ، واستخفوا بحرمة الحرم وأكلوا مال الكعبة الذي يهدي إليها سرا ً وعلانية وظلموا من دخل إليها من غير أهلها ، فرَق أمرهم فيها وضعفوا وتنازعوا بينهم وأختلفوا وكانوا قبل ذلك من اعز حي في العرب وأكثرهم رجالا ً وأموالا ً وأعز عزة 0
خطبة مضاض بن عمرو في جُرهم وفيها تحذيرهم من البغي والظلم وأثره الوخيم
فلما رأي ذلك رجل منهم يقال له مضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو وقام فيهم خطيبا ، فوعظهم وقال : يا قوم أبقوا علي أنفسكم وراقبوا الله في حرمه وأمنه فقد رأيتم وسمعتم من هلك من صدور هذة الأمم قبلكم ( قوم هود ، وقوم صالح ، وشعيب ) فلا تفعلوا وتواصلوا بالمعروف وانتهوا عن المنكر ، ولا تستخفوا بحرم الله تعالي وبيته الحرام ولا يغرنكم ما أنتم فيه من الأمن والقوة فيه ، وإياكم والإلحاد فيه بالظلم فإنه بوار عظيم 0
وأيم الله لقد علمتم أنه ما سكنه أحد قط فيه وألحد إلا قطع الله عز وجل دابرهم ، وأستأصل شأفتهم ، وبذل أرضها غيرهم ، فاحذزوا البغي فإنه لا بقاء لأهله ، قد رأيتم وسمعتم من سكنه قبلكم ، من : طمس وجديس والعماليق ، ممن كانوا أطول منكم أعمارا ً وأشد قوة وأكثر رجالا ً وأموالا وأولادا فلما استخفوا بحرم الله وألحدوا فيه بالظلم أخرجهم الله منها بالأنواع الشتي ، فمنهم من أخرج بالذر ، ومنهم من أخرج بالجدب ، ومنهم من أخرج بالسيف 0
وقد سكنتم مساكنهم ، وورثتم الارض من بعدهم ، فوفروا حرم الله - أي راعوا حرماته ، وعظموا بيته الحرام ، وتنزهوا عنه وعما فيه ، ولا تظلموا من دخله وجاء معظما ً لحرماته ، وآخر جاء بائعا ً لسلعته أو مرتغبا ً في جواركم فإنكم إن فعلتم ذلك تخوفت أن تخرجوا من حرم الله خروج ذل وصغار ، حتي لايقدر أحد منكم أن يصل إلي الحرم ولا إلي زيارة البيت الذي هو لكم حرز وأمن والطير والوحوش تأمن فيه 0
فقال له قائل مكنهم يرد عليه يقال له مجذع : من الذي يخرجنا منه ؟ ألسنا أعز العرب ، واكثرهم رجالا وسلاحا ً ؟
فقال له مضاض بن عمرو : إذا جاء الأمر بطل ما تقولون 0
فلم يقصروا عن شيء مما كانوا يصنعون فلما رأي مضاض بن الحارث بن مضاض ما تعمل جرهم في الحرم وما تسرق من مال الكعبة سرا ً وعلانية ، عمد إلي غزالين كانا في الكعبة من ذهب وأسياف قلعيه { كان ساسان ملك الفرس قد أهداها إلي الكعبة } فدفنها في موضع بئر زمزم ، وكان ماء زمزم قد نضب وذهب لما أحدثت جرهم في الحرم ما أحدثت ، حتي غبي مكان البئر ودرس فقام مضاض بن عمرو وبعض ولده في ليلة مظلمة فحفر في موضع بئر زمزم وأعمق ثم دفن فيه الأسياف والغزالين 0
وقيل إن جرهما دفنتها - أي زمزم - حين نُفيت من مكة ( ثم سلط عليهم خزاعة فأخرجتهم من الحرم فلم ينفلت منهم إلا الشريد ، وفنيت جرهم أفناهم السيف في حربهم مع خزاعة ووليت خزاعة الكعبة والحكم بمكة ما شاء الله ان تليه 0
وموضع زمزم في ذلك لا يعرف لتقادم الزمن حتي بوأه الله تعالي لعبد المطلب بن هاشم - جد الرسول عليه الصلاة والسلام - لما اراد الله من ذلك فخصه به من بين قريش 0
فلم تزل زمزم دارسة عافيا أثرها حتي آن مولد الرسول المبارك عليه الصلاة والسلام الذي تتفجر من بنانه ينابيع الماء ، وصاحب الكوثر والحوض الرواء ، فلما آن ظهوره أذن الله تعالي لسقيا أبيه أن تظهر ، ولما اندفن من مائها أن تجتهر أي تظهر ، فرفعت عنها الحجب برؤيا منام رآها عبد المطلب ، فأمر بحفرها وأعلمت له بعلامات استبان بها موضع زمزم فحفرها 0
زمن حفر عبد المطلب لزمزم
إن كلام الإمام السهيلي السابق يدل أن حفر عبد المطلب لزمزم كان قبيل ولادة الرسول عليه الصلاة والسلام أي قبل عام الفيل 0
وكذلك قال الإمام تقي الدين الفاسي ، فقد جاء في شفاء الغرام 0
وكان حفره لها قبل مولد الرسول عليه الصلاة والسلام لآنا روينا من حديث على بن ابي طالب رضي الله عنه حين حفر زمزم لم يكن له ولد سوي ابنه الحارث 0
فلم يكن والد النبي عليه الصلاة والسلام وأعمامه سوي الحارث قد ولدوا وكانت ولادته عليه الصلاة والسلام عام الفيل وعلي هذا فما ذكره الأرزقي عن الزهري أن حفر عبد المطلب لزمزم بعد عام الفيل فهي رواية غير صحيحة والله أعلم 0